هذا صندوق بلاستيكي أحمر مفتوح من الأعلى موضوع على عصوان في الجدار ، فيه فرشاة حلاقة، شفرات ، مقص صغير، والكثير من القَدَّاحات الملونة معظمها معطوبة. وفيه أيضاً صُرة صغيرة بداخلها أحجار قَدَّاحات.

في ذات الغرفة الطينية، معطف قديم ظل في الدار لأجل جيوبه فقط. تماما مثل الكثير من المعاطف في كل الكثير من العائلات. هو الآخر معلق على عصا ، في جيوبه أوراق كلماتها تداخلت من طول ما تعانقت ، أقلام حبرها يابس، قَدَّاحات معطلة ايضاً، و فيه رائحة لا أملك لغة لوصفها، رأيتني وأنا أدق أنفي بكفي على حافة جيب المعطف واشهق كالمدمن.

تحت ظل جدار الغرفة الطينية إبريق ماء نحاسي منبعج من كل وجه، للوضوء، أحمله وأصعد فوق صخرة نُحتت سلماً كما كان يفعل، كيف أَقنع هذه الصخرة الحمراء أن تصير سلم؟! أهبط السلم ، أستغرب من تأتأة خطواتي، أذكرني أخطوه مثل قطار مغناطيسي معلق.

هنا في العِلية، صندوق حديدي أخضر عليه ورود غير منتظمة رُسمت بطلاء ، هذه شنطة جدتي أتت بها معها عندما تزوجت، فيها (مقرمة) حرير عليها طاووس جميل ومنتظم جداً، وعلى المقرمة ايضا وجه جدتي وهي عروس، وفيها رائحة أعرف كيف أصفها: الريحان و(الأُزّاب) وعطر (جنة النعيم). (الأُزاب) الجاف ما زال بين أعطاف (المقرمة). بعيد عن الضوء يتم تحنيط الروائح.

هذه كَوة طويلة فيها وسائد مهجورة تحن لضيوف يكرهون الجبال، وفيها كيس من رماد يحفظ جدي رصاص البندقية فيه، الرماد يحفظ الرصاص ويعتني بها يقول جدي. تخرج من الكيس رصاصتين في كل عيد، يختار جدي حجر أبيض على صدر جبل بعيد، يستل بندقية (الكندة) من كيسها الزيتي، ويطلق واحدة وجدتي واحدة، أما أنا فلا رصاصة لي، أنا الحَكم، لأن نظري أقوى ويلتقط أين هوت رصاصهم. تفوز جدتي في كل مرة، ويحتفل جدي بفوزها في كل عيد.

في ذات الكوة، بجوار كيس الرصاص يوجد كيس طباشير ، هذا لي، أحارب بها المطر ، أزور كل الاحجار الملساء على جدران المدرجات بجوار دارنا وأجدد ما محاه المطر : قلوب مشوهة، أسماء شخصيات كرتونية سمعت عنها من المتمدنين الذين يزورون الجبال في الصيف، وطلاسم جميلة كنت أراها على رفوف الدكاكين أعرف اليوم أنها حروف لغة إسمها الإنجليزية.

هذا شباك لا يُقفل ، شبابيك دارنا كلها هكذا، يُسد في الشتاء بوسادة سوداء عليها ورود ممزقة طُرزت بخيوط بيض، و في قاع الشباك دقني، هذا مترس ، أرى منه بيت لمياء وأين ذهبت وماذا ارتدت، اخوانها،اخواتها ، وجدتها التي تحب ظل شجرة (المريمر)، معزاتهم ، وبقرتهم ، وجارتهم التي تنزل إلى دارهم تطلب (الحقين) أو ترسل ابنتها بين العاشرة والعاشرة والنصف صباحا، والأضواء التي تخرج في الليل من الباب المنحوت عليه نخلة حديدية وأعلاه شرائط منقوشة بالأبيض والأسود ، وسرعة تلك الأضواء …

رغم هذا لا تزورني وفاء كثيرا ، ولكن جدي يفعل، يأخذني لقبرنا القديم في ليالي كثيرة ، يذهب بي فراشة في تفاصيل من الجراد، وأصحو أجدب من اللحظة . عشقت ُهيفاء وسعاد و جديلة ولمياء و ابنة عم لمياء وبقرة لمياء … ،عشقت عمدا ، بنيت الكثير من “الحب” طبقات لأطمر حب قديم و هربت محيطات وأقمت طويلا بصناديق حديدية سامقة وفارهة وظل قلبي طيني. ربما لم يكن حباً كل الذي بنتيه، ربما أكون قد أحببت ذلك الحب فقط . أحتاج إلى معشوقات كثيرات، روائح أنثوية تعيد توصيل دماغي أكياس طباشير جدران أحجار مُلس و مواسم أمطار كثيرة وغزيرة لأمحو هذا الحلم الجميل.