كان سعيد يقف خلف الجميع، فوق كومة تراب صغيرة يدخن، والتراب ينهال على جثة شقيقه، وكأنه يُشرف على عمال بناء. كنتُ أحد العمال، أنظر إليه من بين قدمي وأنا أوجه التراب ب"المجرفة" إلى القبر واحسد سعيد ( أو اغبطه، لا أعلم) ، احسده لأنه يدخن. احسده على حريته، يدخن بالعلن في يوم دفن وكل كبار وصغار القرية مجتمعون في مكان واحد. هل هناك حرية أعظم من هذه؟! لا يهتم بالوشاة الذين سيقولون لأهله “إبنكم يدخن” ، وقبل أن يعود إلى البيت لن يمسح ثيابه وفمه بكل أصناف الشجر السيء الرائحة ليدفن رائحة الفضيحة، ولن يسمع دروس عن الصحة من المدخنين العتيقين. في نظري، المدخنين الصغار كانوا ثورويين وأحرار. في ذلك اليوم المشهود سعيد صرح لي أنه سيد الأحرار .

كان بعض كبار السن الذين في المقبرة يرمقونه بنظرة ازدراء، أما أنا فكان يرتقي بعيني مثل الدخان الذي يتخلل شعره المصفف والمطلي بزيت الطبخ (شيف) و المطل على جبته الحرة التي تشبه الصفا.

على الطريق من المقبرة إلى البيت، قطع جدي طقطقة عكازه الرتيب:

  • أرأيت سعيد هذا ..( قلت لنفسي الآن سيبدأ بإلقاء دروسا عن التدخين) وأكمل: لم يتحرك لموت شقيقه الوحيد، سعيد هذا جاااف، جففف ..جف منذ زمن! جف منذ أن دفن أبويه اللذان ماتا بانقلاب سيارة… بدا جدي مسترسلاً بحزن وهو يحكي قصة سعيد حتى قطعته:
  • هذا يعني أن التدخين لا يضر سعيد!